November 18, 2006

البطالة آلية رئيسية للتهميش والإفقار

نقلاً عن مدونة إتحاد العاطلين عن العمل تحت التأسيس

البطالة آلية رئيسية للتهميش والإفقار وتحطيم أحلام الشباب والمتعلمين
كثيرة هي الحوادث المروعة المرتبطة مباشرة بالبطالة وبما ينجم عنها من فقر واعتماد على الأسرة، وبما يرتبط بها من محسوبية وتمييز فج وغير أخلاقي بين أبناء الوطن حسب أصولهم الاجتماعية وعلاقات ذويهم بالمؤسسات العامة وبأصحاب النفوذ. وتبدو الصورة العامة للبطالة ومسبباتها ونتائجها مأساوية، من انتحار البعض يأسا من الحصول على فرصة عمل، أو نتيجة حرمانهم من هذه الفرصة رغم تفوقهم بدعوى أنهم غير لائقين اجتماعيا، إلى توريث بعض الفئات للوظائف إلى الأبناء والأقارب بغض النظر عن الكفاءة، أو إنزواء البعض وشعورهم بفقدان الكرامة نتيجة استمرار اعتمادهم على أسرهم وانحدارهم مع أسرهم إلى هوة الفقر، أو دخول البعض في صراعات أسرية تدمر البنية المتماسكة تقليديا للأسرة المصرية، بهدف لاستحواذ على الأصول المحدودة التي تملكها الأسرة لاستخدامها في تمويل الحصول على ضرورات الحياة في غياب فرصة العمل والدخل الجاري والمتواصل الذي يمكن أن يتحقق من خلالها، أو خروج البعض للعمل في الخارج بشروط غير لائقة وربما مهينة في ظروف أقرب للعبودية تضيع زهرة شبابهم خارج الوطن وتصيبهم هم وأسرهم بكل أمراض الغربة وتبعاتها، إلى لجوء البعض إلى العنف الجنائي للحصول على متطلبات الحياة بشكل عنيف وغير مشروع، أو لجوء البعض للعنف السياسي أو الإرهاب مهما كان غطائه الأيديولوجي، للاحتجاج العنيف على النظام السياسي الذي ألقى به للبطالة المهدرة للكرامة.
وبالرغم من أن عهد الرئيس المصري مبارك الذي امتد حتى الآن لقرابة 24 عاما وأمامه فترة حكم جديدة، هو عهد للإخفاق والأزمات الاقتصادية المتعاقبة التي انحدرت بالمكانة الاقتصادية المصرية عاما بعد عام بالمقارنة بدول كنا نفوقها بدهر، إلا أن البطالة الهائلة التي ابتليت بها مصر في عهده، هي عنوان الإخفاق الكبير لهذا العهد، حيث ارتفع معدل البطالة من مجرد 3% من قوة العمل المصرية في بداية عهده ليصل إلى نحو 30% من قوة العمل في الوقت الراهن وفقا للتقديرات الموضوعية البعيدة عن البيانات الرسمية التي تتعمد تخفيض معدل البطالة، حيث تشير إلى أنه قد بلغ نحو 9.9% في العام المالي 2003/2004 ، ووصل في بداية العام الحالي(2005) إلى 10.6%.
ويبدأ التزييف الرسمي لحجم ومعدل البطالة من تعريف العاطل بأنه من لا يوجد له مصدر للرزق، بما يعني استبعاد من لهم مورد رزق ناجم عن ميراث أو نتاج عمل سابق بالداخل أو الخارج حتى لو كانوا مؤهلين وقادرين على العمل وراغبين فيه ولا يجدون عملا عند مستويات الأجور السائدة!!
وهذا التعريف الحكومي هو تعريف مخالف تماما للتعريف المعمول به في كل الدنيا والذي يحدد العاطل بأنه القادر والمؤهل للعمل والذي يطلب العمل عند مستويات الأجور السائدة ولا يجد عملا. ويخرج التعريف الحكومي أعدادا كبيرة من العاطلين فعليا من تصنيف العاطلين فعليا.
ويتواصل التزييف الرسمي لبيانات العاطلين بالقول بأن قوة العمل المصرية لا تزيد عن 20.7 مليون نسمة في منتصف عام 2004، في حين تشير بيانات البنك الدولي في تقريره عن مؤشرات التنمية في العالم (2005)، إلى أن تعدادها بلغ 26.7 مليون نسمة في عام 2003، بما يزيد بمقدار 6 ملايين نسمة عن تعدادها الرسمي في مصر، وهذه الزيادة يمكن أن تضاف بالكامل إلى الرقم الرسمي للعاطلين البالغ 2 مليون عاطل لتصل بعدد العاطلين في مصر إلى 8 ملايين عاطل وبمعدل البطالة إلى نحو 30% من قوة العمل المصرية.
وتتركز البطالة في مصر في الفئات العمرية الشابة بشكل أساسي. كما أن غالبية المتعطلين من الشباب هم من المتعلمين، وهو ما يزيد الخسارة الاقتصادية والاجتماعية لمصر من تعطل قوة عمل شابة ومتعلمة تم إنفاق الكثير عليها من أجل التعليم، ثم تتعرض للإهدار بالتعطل في بلد نام يحتاج لتوظيف كل عناصر الإنتاج التي يملكها من أجل تحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر إلى أن عدد العاطلين من الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 15 ، 40 عاما، يشكل نحو 99% من عدد العاطلين. وقد تركزت البطالة بشكل أساسي في الفئة الأكثر شبابا ممن تتراوح أعمارهم بين 15 ، 30 عاما، حيث يشكل العاطلين منهم وفقا للبيانات الحكومية الرسمية، نحو 88% من عدد العاطلين في مصر. كذلك فإن المتعلمين يشكلون نحو 93% من المتعطلين في مصر، وهذا يعني بشكل قاطع أن البطالة في مصر هي بطالة شباب ومتعلمين بالأساس بما يمثله ذلك من إهدار لعنصر العمل وللإنفاق على تعليم المتعطلين.
والحقيقة أن المعدل المرتفع للبطالة في مصر، يشكل إهدارا لطاقة عنصر العمل وتهميشا اقتصاديا وإفقارا لملايين الشباب وغالبيتهم الساحقة من المتعلمين، من جهة، ويوفر من جهة أخرى، أرضا خصبة لنمو التطرف السياسي والعنف الجنائي، فالبطالة ليست مجرد تعطيل لأحد عناصر الإنتاج، ولكنها تعطيل لأهم عناصر الإنتاج وأكثرها فعالية، فضلا عن أن طبيعته الإنسانية تجعل لتعطله أبعادا سياسية واجتماعية، وليس مجرد البعد الاقتصادي فقط، الذي تعد معالجته أسهل كثيرا من معالجة الأبعاد السياسية والاجتماعية للتعطل. ونظرا لعدم وجود آلية رسمية لإعانة العاطلين من قبل الدولة في مصر، فإن التعطل يعني انحدار المتعطلين إلى هوة الفقر المدقع، ويعني أيضا زيادة معدل الإعالة، حيث لا يكون أمام المتعطلين سوى الاعتماد على عائلاتهم بما يعنيه ذلك من تزايد الاضطرابات الأسرية والصراعات على الملكيات والميراث بصورة ساهمت في إحداث الكثير من الشروخ في البنية المتماسكة تقليديا للأسرة المصرية التي تعرضت لصدوع وتخريب حقيقيين تحت وطأة البطالة والفقر الذين انتشرا على نطاق واسع في العهد السعيد لمبارك.
ويعد ارتفاع معدل البطالة في مصر، تجسيدا لضعف معدل الاستثمار في مصر، بالنظر إلى أن الاستثمارات الجديدة والتوسعات في الاستثمارات القائمة، هي العامل الرئيسي في تحديد حركة التشغيل ومستوى البطالة في أي اقتصاد. كما يعبر ارتفاع معدل البطالة في مصر، عن ضعف كفاءة الإدارة الاقتصادية الحكومية وعجزها عن ضمان تشغيل قوة العمل سواء لدى الحكومة وقطاعها العام وهيئاتها الاقتصادية، أو لدى القطاع الخاص والقطاع العائلي من خلال اتباع سياسات اقتصادية كلية وسياسات مالية ونقدية محفزة للتوسع والنمو الاقتصادي.
ويلجأ نظام الحكم في مصر، إلى إلقاء المسئولية عن ضعف الأداء الاقتصادي وتزايد معدلات البطالة في مصر، على معدلات الزيادة السكانية فيها وما تنطوي عليه من زيادة في قوة العمل، رغم أن الزيادة في عدد السكان وقوة العمل في مصر تعتبر معتدلة وتقل عن المعدلات المناظرة في البلدان التي تدخل ضمن نفس الفئة الدخلية التي تقع فيها مصر. وبدلا من أن ينظر الحكم في مصر إلى عنصر العمل كعنصر إنتاجي مهم يمكن توظيفه بشكل فعال في إنتاج السلع والخدمات وزيادة قدرة الاقتصاد المحلي من خلال استثمارات جديدة تستوعبه، فإنه وعلى رأسه الرئيس مبارك، يبرر فشله في تحقيق ذلك بشماعة ارتفاع معدلات النمو السكانية، رغم أن تلك المعدلات تتراجع تلقائيا بالتوازي مع ارتفاع مستويات المعيشة والتعليم، وليس بالصراخ والشكوى من ارتفاعها. وتجدر الإشارة إلى أن دولة تحقق نموا ممتازا وتقدما سريعا وتحسينا مبهرا لمستويات معيشة أبنائها هي ماليزيا، تحقق معدلات نمو سكاني أعلى من مصر منذ عام 1965 وحتى الآن بلا انقطاع، ووفقا لبيانات البنك الدولي (World Development Indicators 2005)، بلغ متوسط معدل نمو السكان في ماليزيا نحو 2.4% سنويا خلال الفترة من 1990 حتى 2003، مقارنة بنحو 1.9% سنويا في مصر خلال الفترة المذكورة. وفي نفس الوقت بلغ معدل البطالة في ماليزيا نحو 3.7% خلال الفترة من 2000 إلى 2002، مقارنة بنحو 9% في مصر في الفترة نفسها وفقا للبيانات الرسمية المصرية. وهذه البيانات المقارنة تبطل الحجة التي ترددها الحكومة والرئيس في مصر بأن النمو السكاني هو المسئول عن أزمة البطالة، فالمسئول الحقيقي هو السياسات الاقتصادية للرئيس وحكوماته والتي لا تقيم اعتبارا لتشغيل المواطنين ولا لمصالح الطبقة الوسطى والفقراء لأنها معنية بالأساس بمصالح الطبقة العليا من رجال الأعمال والبيروقراطية الفاسدة والسادة المستثمرين الأجانب الذين تقوم الدول التي ينتمون إليها وهي في غالبيتها الساحقة الدول الدائنة للحكومة المصرية بفرض الشروط الملائمة لهم، كما أن الفساد المستشري في الحكومة وأجهزة الدولة هو المسئول أيضا عن ركود الاقتصاد وضعف قدرته على توفير فرص العمل للمواطنين لتمكينهم من كسب عيشهم بكرامة.
ويمكن القول باختصار أن الحكومة في مواجهتها للبطالة قد اعتمدت على تقديم بيانات مزيفة تخفف من حجم المشكلة بصورة وهمية، واعتمدت على تهجير العمالة للخارج وعلى برامج للتدريب المفتقدة للهدف، وعلى تكديس المزيد من البطالة المقنعة المعطلة للأعمال والمخفضة للإنتاجية في الجهاز الحكومي وعلى تقديم بعض القروض الصغيرة بلا رعاية للمقترضين ومشروعاتهم، وهي سياسة ثبت في الواقع فشلها الذريع في مكافحة البطالة، كما أن هذه السياسة في مجموعها وما ترتب عليها من ارتفاع مفزع لحجم ومعدل البطالة المتركزة في الشباب والمتعلمين، تعكس تدني قيمة الإنسان لدى حكومات مبارك المتعاقبة والنواب والمسئولين الذين أتت بهم انتخابات واختيارات بعيدة عن النزاهة وعن الديموقراطية ولم يعبروا أبدا عن الشعب ولم يدركوا حجم معاناة أبنائه من البطالة ومما تعنيه من فقر وإهدار للكرامة وتحويل لأعداد ضخمة من شباب مصر إلى عالة على أسرهم غير القادرة على الاستمرار في إعالتهم، وما ينتج عن ذلك من اضطرابات أسرية وصراعات على الميراث وتزايد في مستوى العنف والجريمة، في ظل عدم وجود دخل متجدد لعدد كبير من أبناء المجتمع، وهم في سن الشباب. كما تعكس البطالة الكبيرة التي تعاني منها مصر، عدم وجود أولوية حقيقية لدى النظام السياسي-الاقتصادي لإيجاد الوظائف الحقيقية لقوة العمل المصرية، بقدر اهتمامه بتعظيم امتيازات البيروقراطية الفاسدة القابعة في قمم جهاز الدولة وقطاعها العام وهيئاتها الاقتصادية، واهتمامه بإطاعة أوامر الدول والمؤسسات التي كبل مصر بالاستدانة منها، واهتمامه بمنح الامتيازات لرأس المال المحلي والأجنبي على حساب حقوق الأمة في نظام ضريبي عادل. وبهذه السياسة يبدد النظام الحاكم أهم ثروات مصر وهم البشر وبالذات قوة العمل التي يمكن أن تعتمد عليها مصر في تحقيق أي نهوض اقتصادي حقيقي، فالعمل هو المفتاح الحقيقي للتقدم ولبلوغ الغايات الاقتصادية الكبرى، وبالعمل والعلم حققت الأمم تقدمها ونهوضها، وليس بالفساد والجهل والتبعية كما هو الحال في ظل النظام الحاكم في مصر

http://www.maktoobblog.com/aatel

Comments »

The URI to TrackBack this entry is: http://ayoube.blogsome.com/2006/11/18/p21/trackback/

No comments yet.

RSS feed for comments on this post.

Leave a comment

Line and paragraph breaks automatic, e-mail address never displayed, HTML allowed: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <code> <em> <i> <strike> <strong>



Anti-spam measure: please retype the above text into the box provided.